أبو علي سينا

300

النفس من كتاب الشفاء ( تحقيق حسن زاده آملى )

الحس عند إدراك القوى على إدراك الضعيف ، فإنّ المبصر ضوءا عظيما لا يبصر معه ولا عقيبه نورا ضعيفا ، والسامع صوتا عظيما لا يسمع معه ولا عقيبه صوتا ضعيفا ، ومن ذاق الحلاوة الشديدة لا يحسّ بعدها بالضعيفة . والأمر في القوة العقلية بالعكس ، فإن إدامتها للعقل وتصورها للأمور التي هي أقوى تكسبها قوة وسهولة قبول لما بعدها مما هو أضعف منها ؛ فإن عرض لها في بعض الأوقات ملال أو كلال فذلك لاستعانة العقل بالخيال المستعمل للآلة التي تكلّ فلا تخدم العقل ، ولو كان لغير هذا لكان يقع دائما وفي الأكثر « 1 » والأمر بالضد . [ البرهان الثامن على تجرد النفس الناطقة ] وأيضا فإن أجزاء البدن كلها تأخذ في الضعف من قواها بعد منتهى النشوء والوقوف ، وذلك دون الأربعين أو عند الأربعين . وهذه القوة المدركة للمعقولات إنما تقوى بعد ذلك في أكثر الأمر ، ولو كانت من القوى البدنية لكان يجب دائما في كل حال أن تضعف حينئذ . لكن ليس ذلك « 2 » إلا في أحوال وموافاة عوائق دون جميع الأحوال ، فليست هي إذن من القوة البدنية . ومن هذه الأشياء تبيّن أن كل قوة تدرك بآلة فلا تدرك ذاتها ولا آلتها ولا إدراكها ، ويضعفها تضاعف الفعل ، ولا تدرك الضعيف إثر القوىّ ، والقوى يوهنها ويضعف فعلها عن ضعف آلات فعلها ، والقوة العقلية بخلاف ذلك كله .

--> ( 1 ) - وفي أكثر الأمر ، والأمر بالضد ، نسخة . ( 2 ) - الضعف للقوة العقلية .